الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
367
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإضافة مَتاعُ إلى الْغُرُورِ على معنى لام العاقبة ، أي متاع صائر لأجل الغرور به ، أي آيل إلى أنه يغرّ الناظرين إليه فيسرعون في التعلق به . [ 21 ] [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 21 ] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 21 ) فذلكة لما تقدم من قوله تعالى : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ [ الحديد : 12 ] إلى هنا فذلك مسوق مساق الترغيب فيما به تحصيل نعيم الآخرة والتحذير من فواته وما يصرف عنه من إيثار زينة الدنيا ، ولذلك فصلت الجملة ولم تعطف ، واقتصر في الفذلكة على الجانب المقصود ترغيبه دون التعرض إلى المحذر منه لأنه المقصود . وعبر عن العناية والاهتمام بفعل السابقة لإلهاب النفوس بصرف العناية بأقصى ما يمكن من الفضائل كفعل من يسابق غيره إلى غاية فهو يحرص على أن يكون المجلّي ، ولأن المسابقة كناية عن المنافسة ، أي واتركوا المقتصرين على متاع الحياة الدنيا في الآخريات والخوالف . وتنكير مَغْفِرَةٌ لقصد تعظيمها ولتكون الجملة مستقلة بنفسها ، وإلا فإن المغفرة سبق ذكرها في قوله : وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ، فكان مقتضى الظاهر أن يقال : سابقوا إلى المغفرة ، أي أكثروا من أسبابها ووسائلها : فالمسابقة إلى المغفرة هي المسابقة في تحصيل أسبابها . والعرض : مستعمل في السعة وليس مقابل الطور لظهور أنه لا طائل في معنى ما يقابل الطول ، وهذا كقوله تعالى : وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ [ فصلت : 51 ] ، وقول العديل لما فرّ من وعيد الحجاج : ودون يد الحجاج من أن تنالني * بساط بأيدي الناعجات عريض وتشبيه عرض الجنة بعرض السماء والأرض ، أي مجموع عرضيهما لقصد تقريب المشبه بأقصى ما يتصوره الناس في الاتساع ، وليس المراد تحديد ذلك العرض ولا أن الجنة في السماء حتى يقال : فما ذا بقي لمكان جهنم . وهذا الأمر شامل لجميع المسابقات إلى أفعال البر الموجبة للمغفرة ونعيم الجنة ، وشامل للمسابقة الحقيقية مع المجازية على طريقة استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ،